المحقق البحراني

18

الحدائق الناضرة

وفي آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام " كم من متعب نفسه مقتر عليه . ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير " ( 1 ) . وبالجملة فإن الانسان متى أيقن أن الرزق بيد الله سبحانه وأنه قد قسمه من عالم الأزل ، وضمن ايصاله لصاحبه وأنه إنما أمره بالطلب والتعرض له من مظانه ، لكي يأتيه كما وعد به ، وقد روى : " الرزق رزقان ، رزق تطلبه ورزق يطلبك " ( 2 ) . وحينئذ فالعاقل العالم بذلك لا يهم بذلك ولا يشغل فكره ، ولا يتعب ليله ونهاره ، ولا يتجاوز الحدود الشرعية في طلبه . ولكن الشيطان الرجيم والنفس الأمارة ، والجهل بالأحكام الشرعية والحدود المرعية ، هي السبب في وقوع الناس في شباك ( 3 ) الخناس وتضييعهم الدين في طلب هذه الدنيا الدنية ، فإنهم يرون أن ما يحصلونه إنما حصل بجدهم واجتهادهم وحيلهم وأفكارهم وسعيهم الليل والنهار في ذلك ، وهذا هو الداء الذي لا دواء له . وقد روى في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : " كان أمير المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول : إعلموا علما يقينا ، إن الله عز وجل لم يجعل للعبد وإن اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكابدته ، أن يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته ، أن يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم . أيها الناس إنه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه ولم ينقص امرء نقيرا لحمقه ، فالعالم لهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته . والعالم لهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرته . ورب منعم عليه مستدرج بالاحسان إليه ، ورب مغرور من الناس مصنوع له . فأفق أيها الساعي من سعيك وقصر من عجلتك ، وانتبه من سنة غفلتك " الحديث . ( 4 )

--> ( 1 ) الكافي ج 5 ص 81 حديث : 6 ( 2 ) الوسائل ج 12 ص 31 حديث : 5 ( 3 ) الشباك : جمع شبكة وهي المصيدة ( 4 ) الكافي ج 5 ص 82 حديث : 9